حتاحيت من رخام: مسرحية من طور واحد.

{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.}

الآية 78 من سورة آل عمران.

الشخصيات:
باسل فنك. نحّات كويتي.
حارث تقي. جار باسل.
زوجة حارث.


المشهد الأول: شقة حارث تقي وزوجته. الأرضية مبطنة بالسجاد المنزلي الرخيص. أريكتان تتوسطا الشقة، مغلفتان بخام أحادي اللون. باب البلكونة مفتوح ولكن لا أحد يجلس هناك على الكراسي البلاستيكية. الموسيقى المنخفضة من شقة باسل فنك تملأ صالة الشقة بأصوات عشوائية مفاجئة. حارث يخرج من الحمام ويدخل الصالة حيث تجلس زوجته.

حارث — كل يوم الموسيقى شغالة، تعبنا معاه! لازم نسمع يعني؟ الحين الناس تصلي.
زوجته — (تقصر صوت التلفاز.) خير؟
حارث — لازم يسمعنا الموسيقى معاه؟ وإذا ما نبي نسمع، شنو، غصب؟
زوجته — روح كلمه.
حارث — ما أكلمه هذا، عاصي ومغرور و.. (يمسك نفسه.) أقل ما فيها أن عيب، ما يفهم يعني؟
زوجته — الصوت مو وايد عالي، بدّل وتعال. أسوي لك جاي؟
حارث — مو عن عالي أو واطي، أنا ما أحب الموسيقى بالليل. وهذه مو موسيقى اللي يشغلها، إزعاج بس. سيئات على الفاضي. (ثم بعد لحظة هدوء.) أنا مو عصبي، بس يخليني أعصب كل مرة لما يعلي على الصوت.
زوجته — الدكتور قال لك ما تشد أعصابك، مو زين حق قلبك.
حارث — اللي يسويه باسل بعد مو زين حق قلبي. يا هو يطلع أو أنا أطلع. أذانا كل يوم مع الإزعاج.
زوجته — حارث خلاص صل على النبي وتعال إقعد. أسوي لك جاي الحين وارتاح. لو مزعجك اتصل عليه وقول له. (تقف لتغلق باب البلكونة.) لو ما راح يوقف الموسيقى ما راح يوقفها بعد شنو بتسوي، لازم تتقبل اللي يصير. الرسول موصي بسابع جار بتروح تتهاوش معاه لأنه مشغل الموسيقى اليوم. تعال إشرب لك جاي وراح ترتاح أو أشغل لك السديس والشريم بالتلفزيون ونسمعهم بدال لا تسمع ذاك. مو أحسن من أنك تظل معصب؟
حارث — أصلًا الموسيقى حرام فقاعدين ناخذ سيئات معاه.
زوجته — لو أنت اللي مشغل الموسيقى أنت بتاخذ سيئات. بس مو أنت اللي مشغلها، هو اللي مشغلها.
حارث — لا، أنا لازم أكلمه. ما تجوز الموسيقى. (يلبس ثوبه ويخرج من الشقة.)
زوجته — لا حول ولا قوة إلا بالله.

تسدل الستارة.


المشهد الثاني. الممر المطل على شقتي حارث وباسل مبطن بنفس نوع السجاد الذي يكسو أرضية شقة حارث. أما أرضية شقة باسل فهي من الخشب المطلي بالورنيش. من الخارج، نرى الرسمات والتماثيل والمنحوتات في صالة شقة باسل، وأرفف الكتب الممتلئة. في آخر الغرفة بيانو ضخمة وبجانبها مشغل أسطوانات أنتيكية. الأريكة المخملية متشبعة بدخان السيجار، ولكنها لم تتهالك بعد. على الطاولة المجلد الثاني لتاريخ روما لتيودور مومزن. ترك باسل الكتاب وأوقف الموسيقى عندما سمع طرقات الباب.
باسل — أهلًا حارث، حياك الله. تفضل. أسوي لك جاي؟
حارث — الله يحييك. لا، مشكور. ما أحتاج أدخل. مشكور.
باسل — آمرني.
حارث — ما يآمر عليك عدو. لا، خلاص. مشكور وما قصرت.
باسل — تفضل، قول. حياك الله، أسوي لك شيء تشربه؟
حارث — والله ما قصرت. مشكور. كنت أبي أسألك لو ممكن توطي الصوت على الموسيقى.
باسل — شكلك ما تحب سترافينسكي. (يضحك، ثم بجدية.) أعتذر على الإزعاج. إن شاء الله، راح أقصر على الصوت. أتمنى ما أزعجتكم بس، أنا ما حسيت أن الصوت كان وايد عالي لهذه الدرجة. بس حاضر.
حارث — الصوت ما كان عالي، بس ما أبي أكسب سيئات وهذا ليش سألتك. أحيانًا نكسب سيئات بدون لا نحس. ’من رأى منكم منكرا فليغيره بلسانه.‘
باسل — يعني ما أزعجتك الموسيقى؟
حارث — امبلى أزعجتني، لأنها حرام.
باسل — حرام بالنسبة لك والا حرام بالمطلق؟
حارث — أخوي باسل، قال لنا الرسول ’إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ.‘ لازم ندير بالنا من الحرام. مو اللي يريحنا نسويه.
باسل — بس هذا مو سبب جيد أني أوقف الموسيقى. حسبالي صج أزعجتك.
حارث — لا، الموسيقى صج أزعجتني. يا أخوي، ما يصير نستمر على الحرام ونسكت عنه. وأنا ياي أنصحك. الله سبحانه وتعالى يقول لنا ’وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.‘ الموضوع مو بكيفي أنا، هذه أوامر الله.
باسل — يعني أنا اللي أزعجتك، ومو الموسيقى.
حارث — أنا ما قلت جذي. أنا قلت إن الموسيقى حرام وما يصير تشغلها.
باسل — بس أنا قاعد أشوف شي ثاني. أنت مو راضي لأني قاعد أسمع موسيقى. يعني حتى لو شغلتها بصوت نازل أنت ما راح ترضى.
حارث — أخوي باسل، هل ترضى بالمعصية؟ هذه أوامر الله.
باسل — وشدراني أنها أوامر الله ومو رايك؟ عندك آية بالقرآن تحرم الموسيقى؟
حارث — كل العلماء يتفقون على حرمتها. هو مو رأيي أنا، هو كلام الله.
باسل — يعني ماكو آية بالقرآن.
حارث — امبلى، فيه. ’ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.‘
باسل — هالآية ما تحرم الموسيقى. على كيفك بتحرم وتحلل الموسيقى؟
حارث — باسل أنت طلبت آية مني وعطيتك آية. ما يصير لما أعطيك آية تقول لي لأ.
باسل — فيه لبس مني. أنت عطيتني آية، لكن لازم تثبت لي أن هالآية تعني الموسيقى حرام. شعلاقة لهو الحديث بالموسيقى؟ الموسيقى اللي كنت أسمعها ما فيها ولا حتى كلمة واحدة.
حارث — أجمعوا العلماء على حرمة الأغاني والمعازف. هذه معازف. اللي كنت تسمعها معازف.
باسل — يمكن تحرم الآية الأغاني، وهم الآية مو إثبات. بس ما قدمت لي أي آية على حرمة الموسيقى. ولو هذه مشكلتك ما راح أقصر الموسيقى. وتصبح على خير. (يدخل ويغلق الباب.)
حارث — جاهل ومكابر وأحمق…

تسدل الستارة.


المشهد الثالث. في شقة حارث مجددًا. يرجع حارث بغضب ويصفق باب الشقة. زوجته جالسة على نفس الأريكة وهي تشاهد التلفاز.
حارث — ما سمع كلامي. طلع جاهل ومكابر.
زوجته — شنو صار؟ شنو قال؟
حارث — طلب دليل على أن الموسيقى حرام وعطيته بس ما اقتنع.
زوجته — حرام؟ أنت مو قلت إن الموسيقى أزعجتك؟
حارث — تزعجني لأنها حرام. يزعجني الحرام. حتى أنتي لازم أشرح لج كل شيء؟
زوجته — بس حارث أنت قايل له أن أزعجتك والا أنها حرام؟
حارث — قلت له أثنيناتهم.
زوجته — اعتذر منه عيل وقول له أنه أزعجتك لو ما تبي تسمعها. لأني راح أبطل البلكونة.
حارث — قلت له. لس الحين باقول له بالتليفون. واضح أنه قليل أدب وما هو متربي، بس بحاول. ما يصير نسكت عن واحد يجاهر بالمعصية.
زوجته — أنت مو واجبك تربيه. لو منزعج قول له.
حارث — امبلى، واجبي أعلمه. واجبنا لو شفنا باطل نتكلم. وبعدين طلع حاط تماثيل وأصنام في شقته. كل شي فيه غلط. هذا مو عاصي، هذا كافر!
زوجته — ما يصير تكفر بالناس، ما تدري عنه.
حارث — شلون ما يصير وهو حتى ما يستحي من اللي سواه ويكلمني بوقاحة وقلة أدب.
زوجته — يمكن زعل لأنه حسب أنك هاجمته.
حارث — خله أكلمه مرة ثانية. (ثم لهاتفه، يرسل لباسل بعض الأدلة.) الحين ما يقدر ينكر عاد.
زوجته — حبيبي بس قول له أن الموسيقى صوتها عالي، لا تقول له أنها حرام.
حارث — قلت له أنها حرام وأن الأصنام حرام وتمنع دخول الملائكة. الحين ما يقدر يقول لأ بعد.
زوجته — ليش تييب طاري التماثيل! ما له شغل. لا تدخل نفسك بمشاكل معاه، أنت ما تعرفه. ما تدري شنو يمكن يسوي!
حارث — (جهازه يؤشر له بوصول رسالة.) رد علي. خنشوف شيقو.. ابن الكلب! (يترك الهاتف ويذهب نحو الباب، فيختفي.)
زوجته — شنو؟ شصار؟ (تنظر لصورة امرأة عارية في الهاتف.) حارث! حارث! (تلحقه.)

تسدل الستارة.

Surra,
January, 2023.

Leave a comment