وأقول لك، لأنك تهكمت على عَمايَ، بأنك ربما تمتلك بصرك ولكنك لا ترى مدى البؤس الذي أنت به…
تايريسياس لأوديب، من مأساة أوديب لسوفوكليز.
لا يوجد ما هو أعقد من الحب. ولا شيء يجهد القلب أو يرهقه مثل تعكر العلاقة وفسادها وتعرجها إلى الهاوية. تخيل راشد عبدالحليم كل العوالم الأخرى التي لم تنتهي بطلاقه من يارا. لا يود أن يرجع به الزمن لدقيقة، للدقيقة التي صفق بها الباب. أغلق الباب بلحظة سخط وبعنف أجبره أن يسأل السؤال ’هل ما يحصل الآن واقعًا؟‘ يسأل، كأنه استيقظ من الكابوس الذي تذكر بأنه يعيشه. يعيشه؟ — حصل له، ولم يرتكبه؟ ’ركز، راشد. لا توهم نفسك.‘ كيف يفكر في هذه اللحظة؟ هذه هي لحظة الأسى التي نستغرب منها فور ارتكابنا لمصيبة لا يمكننا أن نتخيل أننا ارتكبناها. إنها واقع راشد الآن. لا نعرف ما بوسعنا أن نعمل إلا حين نتفاجئ من أنفسنا. وفي الفجأة غضب موجه للداخل. غضب يشع ويرد لنفسه ليعزز نفسه. هل يأخذ خطوتان وراء ويعتذر؟ وهل ينفع الاعتذار؟ أتستحق يارا ما فعله للتو؟ لا يستحق أحد الغضب… إلا بعض الناس الذين يستحقون الغضب… ولكن هذا تحصيل حاصل. ما الذي يفكر فيه راشد؟
ربما عليه أن يرجع دقيقتان: لن يرى نفسه يصرخ، بل يتمالك أنفاسه بعد الصراخ. سبب صراخ راشد سيظل مسألةً يندم عليها لسنين ستمضي. لا يعرف ما وراءه من سبب إن كان له سبب. لكل المسببات أسباب، فهذا ما يذكرنا به المنطق. ولكن المنطق لم يكن معه. ربما هو منطقي بهندامه الأكاديمي، أمام طلابه وطالباته حيث يصوب لهم أخطائهم المنطقية بابتسامة المعلم، أو بالقلم الأحمر. عدا أن هذا الأسلوب لن ينفع مع زوجته — أو طليقته — يارا. لم يعجب به أيٍ من طلبته كما أعجبت به يارا وسيم. لا تفهم أفكاره لترد عليها أو تتفق معها وتؤيدها كما يفعل ذلك زملاء راشد في الجامعة، فكل ما تستطيع فعله هو أن تنظر له بإعجاب وانبهار. ربما تتغلب عليه حين تحاول أن تحصل على ما تريده غير أنها تعلم محدودية أساليبها وتطوعه للخسارة. لا ينفع أيًا من هذا الآن. ’راشد. الباب. أنت أمام الباب. لا تتحرك. لماذا تتحرك! راشد، الباب. إرجع للباب…،
ثلاث دقائق. ثلاث دقائق كل ما يحتاجه لكي يصلح المشكلة. وتبدلت قناعته عندما رأى وجهه المحمر. كيف له أن يقتنع بعد أن فعل ما فعل؟ ليس لكل المشكلات حلول. عندما نقتل القاتل فإننا نحد من المشكلة، أو نقلل من المشكلات التي تعقب هذه ونمنعها من الحدوث، ولكننا لا نعالجها فقد حصلت ولا علاج لها. وكيف له أن يغضب. وممن يغضب؟ من يارا! ألم تعطيه يارا كل ما لديها؟ تذكرها وهي تسند رأسها على صدره، شعرها منسدل عليه وثدييها ملقيان على بطنه. تنظر إليه بإعجاب توفيّ للتو. اعجاب تبدل لذل ثم لسخط ثم بانهزام، وبخيانة، ماتت يارا كما كان يعرفها وتبدلت بيارا لا يعرفها. يارا أخرى، تمنت لو لم تعرفه.
لماذا نغضب؟ تذكر درسًا أعطاه لطلبته حين شرح لهم نموذج أرسطو لروح الإنسان: الغضب هو الحال الذي نكون عليها عندما تحبط كل وسائلنا وتبقى رغباتنا من غير حل. ويسأله طالب نجيب، لماذا نقرأ فن البلاغة في مادة المنطق؟ رد راشد انتباهه لما حصل للتو: ’لا تتهرب مما حصل. ركز. ركز.‘
هل ستكفي أربع دقائق؟ نعم، ستكفي. كان هادئ قبل انفجاره. هذا تمثيل رائع للهدوء قبل العاصفة. سيتذكر هذا كمثال يستطيع أن يستعمله في أحد محاضراته. ’راشد!‘ أربع دقائق. نعم، ستكفي. سيرجع لهذه اللمحة ويحل المشكلة—بل، لن تكون هناك مشكلة ليحلها. سيرجع للدقيقة الرابعة قبل أن يلبسه الشيطان ويضرب برمحه الأرض لتنفك أبواب الجحيم من تحته وتخرج أبالسة الغضب. لكن… لكن، ألم تكن هذه اللمحة، هذه اللحظة، هذا الهدوء، الفترة بين ضغطة الزناد واندفاع الطلقة من فوهة المسدس؟ لم تكن يارا ذكية مثله ولكنها فطنة ويقظة وتعلم بخيانة العهد التي تتعقب هذه السكتات الإستراتيجية. تسائل راشد، هل توجد اللحظة السحرية التي يمكن أن يرد لها لكي يهرب من هذا المأزق الذي وجد نفسه فيه؟ بالطبع! الحبل موجود لمن يحاول أن يتشبث بأي شيء وما عليه أن يفعله هو أن يتمسك به متى ما لقاه. نعم، راشد. ابحث عن الحبل، وتعلق على سبيل النجاة… لكن… لكن، ماذا سيرد راشد على طالبة متفائلة تستخدم هذه الحجة في المقالة المطلوبة منها قبل انتهاء الفصل. ’عزيزتي شيخة، ألا تلاحظين بأن هذه أحد أشكال مغالطة مكناميرا؟‘ فيشرح لها مغالطة مكناميرا، أو المغالطة العددية. ربما يجب أن يشرح المغالطة لنفسه. وود أن يعيد لنفسه نفس التفاؤل ولكنه تذكر مجددًا مشكلته.
توقف قبل أن يفتح سيارته فسأل نفسه لماذا الإصرار على خطأ؟ ما الذي يود أن يفعله؟ هل يقول لها بأنه مخطئ كما يفعله المرة تلو الأخرى؟ خطأه اليوم أكبر بكثير من أخطائه السابقة. بل، خطأه يختلف نوعيًا عن أخطائه السابقة. هل يستطيع أن يعتذر وهل تستطيع أن تصفح عنه؟ لا، يجب أن يكّفر عما فعله وأن يعوضها على ما بدر منه من حماقة. المشكلة الكبرى هي أنه أصبح الآن شخص آخر لم يعد يستحقها. لو كانت صديقة له تبتغي منه النصح لقال لها أن تبتعد عن هذا الواطي المنحط. ’أنا الواطي المنحط. أنا الغبي الذي أحذر الآخرين منه. سأرجع وأعتذر منها وأرحل.‘ دقيقة. دقيقتان. ثلاثة. أربعة. خمسة. ’لماذا لا أتحرك؟ راشد، واجه نفسك. اعتذر وارحل.‘
في الدقيقة السادسة رجعت لرجليه ملكة الحركة واتجه للباب. فكر مليًا بما سيقوله ولكن لم يجد كلمة واحدة. سيدخل ويعتذر ويرحل، هذه الخطة فلا رجعة منها. المهم أن تعرف هي كم هو سافل وأنها تستحق من هو أفضل منه. ستكون هناك بدايات أخرى، فهو متأكد من ذلك — أو، ليس متأكدًا بل يشعر بأن ذلك محتمل. لن يتزوج أحد طالباته كما فعل زميله، رئيس قسم الفلسفة: تزوج أفضل طالباته التي كانت تحضر كل مواد راشد كطالبة وكمستمعة، وهو أبله وبطيء الفهم وسطحي. ربما كانت طالبة متحمسة لا أكثر، فمن يقبل بأحمق مثل رئيس القسم لا يعول عليه. وتنبه لاستطراده فمسك مقضب الباب. سيعتذر ويخرج. ويقول لها بأنها أجمل امرأة رآها في حياته، وبأنها حلم حياته وبأنه كالساذج الذي رأى اللؤلؤة من أمامه فطحنها بحوافره. (أو أكلها؟، لا يهم!)
لم تكن يارا في صالة المنزل عندما فتح الباب. ناداها مرتين، ثم صعد السلم لغرفتهم. شعر بالخجل على ما يفعله، فهذا لم يعد بيته: انتقلت الملكية لها بنطقه للكلمة المشؤومة. أين يارا؟ أتمنى أنها لا تتحمم فهي تطيل في الحمام. طرق باب الحمام ولم ترد. خطرت له أبشع صورة كان يستطيع أن يتخيلها، بأنها تطفو على البانيو الممتلئ بدمها. ’يارا!‘ فتح الباب بقوة وكانت الأضواء مغلقة ولا أحد في الحمام. لماذا يخيل له عقله هذه التصورات المخيفة؟ عقله؟ لماذا خال له. لا يفصل راشد نفسه عن عقله، فكان ينبه لطلبته بأن هذه مغالطة فلسفية مشهورة. ’تذكروا مغالطة القزم: سيأتي عنها سؤال في الاختبار.‘ وتذكر ما كان يفعله فرجع لغرفتهم ولم يجدها. ربما كانت في الفناء الخلفي. سيبحث عنها هناك. وهو في طريقه لقي أضواء المطبخ مشعلة… لحظة. ماذا يحصل… ’يارا؟‘ ركض للمطبخ وأصابه الهلع عندما رآها تمسك السكين وعيناها الحمراوان قد اغرورقتا بالدموع.
’يارا! ماذا تفعلين!‘
أخذ السكين منها واحتضنها ورتب على رأسها.
’يا لي من أحمق، لا أدري ماذا أفعل ولا أعرف لماذا فعلت ما فعلت.‘
فألقت نفسها على رجليه وهي تبكي وتطلب منه أن يسامحها. استغرب من طلبها. توقع أن يطلب منها أن تسامحه فلماذا تفعل هي ذلك.
’أسامحك على ماذا؟‘
’على كل شيء!‘
’ألا ترين بأنني المخطئ؟ أنا الذي يجب علي أن أعتذر.‘
’أعتذر منك.‘
’لا تعتذري فلم تفعلي أي خطأ.‘
وبقي معها على الأرض حتى هدأت ثم نامت بين يديه وهي طريحة كالجثة الهامدة. حملها إلى الفراش وغطاها وجلس بجانبها. فأكد لنفسه بأن هذا هو العالم الذي هو به، وعليه الآن أن يتحمل تبعات كلماته. لا عالم أخر له ولا فرصة له أن يرجع للماضي. والآن، لأنه استهلك كل خطواته الخلفية لم يتبقى له إلا أن ينجرف مع الوقت للأمام.
Surra,
December, 2022.