’لا تظنوا أني جئت لأحمل السلام إلى الأرض. ما جئت لأحمل سلامًا: بل سيفًا.‘
متّى، 10:34.
تسْوَد السماء في الشامية قبل أن تغرب الشمس. وتحجب العمران الممددة معظم النور عن الأروقة والممرات بين الشقق والمحلات في الطوابق الأرضية. لم يتبقى شيء في الشامية بعد إغلاق معظم المطاعم ومحلات الملابس والأجهزة الإلكترونية وصالونات الحلاقة سوى البقالات ومحلات الخياطة والصيدليات وبقية النشاطات التجارية البسيطة. ما أغلق منها يبقى مغلق، وما يتبقى هو الضروري. أو هذا ما يقوله والد عائشة. ’كل ما هو غير ضروري سيزول، ويستحسن زواله في أقرب وقت ممكن لكي يتيح المكان لما هو مهم.‘ تملأ العمارات الشقق ودور الصلاة، ولا مبنى منفصل إلا للمساجد والمستشفيات ومخافر الشرطة. وتحولت الشوارع لممشيات بعد إنتاج آخر سيارة قبل ثمانين سنة. عندما رد التداول بالذهب والفضة، توقفت البنوك عن العمل وأصبحت مخازن للعملات المعدية وللقمح والملح وبعض المستلزمات القابلة للتخزين. لو كانت الأسطح قابلة لتخزين الضوء لأصبحت الشامية مدينة منيرة ولكن العمران تنسى الصباح عندما يحل الليل. ولا ليل أسود من ليالي الشامية.
لم تستطع عائشة أن تختبئ من العالم. لا في أكياس القمح لأنها لم تستطع دخول المخازن شديدة الحراسة. لا في منزلها حيث تنتظرها والدتها وأخيها. لا في الجيران الذي لا تعرفهم ولا يعرفونها. لا في أرفف المصاحف في المساجد ولا في الكبسولات الفارغة في الصيدليات. لا مكان لها إلا في الحركة. الشوارع أصبحت أضيق، والشرطة أذكى. كل شارع تسلكه يمتلئ بالحراس ورجال الأمن فلا ترجع له. العباءة لم تعد تخبئها بعد أن أصدرت أوامر بالتزام كل امرأة بيتها حتى يلقى القبض على عائشة. أزالت العباءة لأنها خانقة للركض فازدادت عقوبتها. أكان يستحق ما فعلت عائشة كل هذا؟ توقف هذا الخيط من الأفكار عندما سمعت شجار في الشقة جنبها ينتهي وتهدأ الأصوات كما تتبدد الموجة على سطح بركة من الماء. لا وقت للتفكير، لا مكان للهروب. بينما تهرول عائشة من الموت، يهرول الموت لها.
’حكمت المحكمة بشنق عائشة حتى الموت.‘ ترددت هذه العبارة في ذهنها باستمرار بعد هروبها من رجال الشرطة صباح هذا اليوم. يمكنها أن تهرب منهم لساعات ولكنها لا تستطيع أن تهرب من هذه الأصوات. تعرف أن العقوبة تغلظت بعد أن قتلت حارسين وشرطي، وأحد الأبرياء الذي كاد أن يمسكها وهي تركض. اعتقدت لوهلة بأن ملعب الأطفال المغلق في حديقة الشامية سيحتضنها ولكنها عندما اقتربت منها سمعت صوت والدها وأخيها وهم ينتظرونها هناك. الطفولة مهرب من الشيخوخة إلى أن تأتي الشيخوخة، وحين تأتي يختفي ما يمكن أن نهرب منه ويظهر فجأة.
لن يرتاح أحد حتى تموت عائشة، ويجب أن تموت بمرأى الجميع حتى يرد العدل للمدينة. العدالة زائلة وهشة ولو امتنع القانون عن معاقبة شخص ما سيتشجع كل من تسول له نفسه كسر القانون. وكانت تشعر عائشة بالذنب ولكن ما يمدها بالحياة هو اعتقادها، ولو بعصب في دماغها، بأنها محقة. بل، بأنها معتدى عليها وغير معتدية. وربما تكون معتدية ولكن اعتدائها هو رد اعتداء آخر. العدل أن ننظر للقاتل والمقتول، أن ننظر لبرجمة المتهم ولكتف المدعي. لا يوجد عدل في الفضاء. العدل أن تخرج عائشة من حركتها للسكون. تعلم أنها قاتلة ولكنها على حق، حتى لو لم يتفق أحد. لا تستطيع أن تسأل أحد، ففي لحظة المعرفة موت. والقانون هو القانون. لا يسعنا أن نسأل إن كان القانون عادلًا لأن العدل هو القانون.
حين وصلت عائشة لأطراف المدينة علمت بأن الطرق تسددت. بقي الخلف من العالم بعدما استهلكت الأمام. كانوا يقولون بأن كل الطرق تؤدي لمكة ولا مكة اليوم إلا في عقل الخالق. الخالق الذي هجر ابنه لن يسعف عائشة في لحظة صياحها. إلي إلي لاما ساباختاني. يا أبتي، لماذا هجرتني؟
لفت ورجعت لمنزلها فلقت نفسها وهي تلهث. ’أنقذيني يا عائشة.‘ ها هي، أمام نفسها. تلجأ لعائشة التي لم تجد أية حيلة تنقذ نفسها فيها. ’عائشة… عائشة.‘ تبخرت صورتها من أمامها ورحل العدل والقانون. تجمع رجال الأمن حولها، ورأها أخوها أخيرًا. عائشة… عائشة. عندما انتبهت بأنها محاصرة حاولت أن ترجع للوراء ولكن الدائرة تنغلق وهي تؤول للنقطة. استبردت لوهلة وظنت بأن هناك منفذ للهواء بين الأجساد وعندما أمطرت السماء نظرت لرجلها إذ بها قطرة الدم. تتبعت قطرة الدم لمصدر الخرير إلى أن وصلت للسكين في بطنها. تخيلت بأنها ستشنق، وربما ستشنق. ساحة الشامية ليست بعيدة عن بيتها. ولكنها يجب أن تجد حلًا لهذا السكين إلى أن يأتي دور المشنقة.
Surra,
December, 2022.