رجع أحمد إلى البيت بعد محاضرة مبادئ الاستثمار ولكنه لم يملأ الكأس الذي تركه في الثلاجة بالماء، فما خطبه؟
من الطبيعي ألا نفكر في ما سنشربه فور رجوعنا إلى البيت من الجامعة، ولكن الفكرة خطرت على بال أحمد بعد أن عدّل غترته عندما تذكر بأن آخر محاضرة اليوم هي مبادئ الاستثمار وأن ما هو الاستثمار؟ وأن درجة الحرارة اليوم ستصل لخمسين درجة سيليزية وأن كمية الوقت التي ستتبقى له بعد الدوام حتى وإن كانت تساوي كمية الوقت من استيقاظه حتى رجوعه للبيت لن تنفعه من حيث قدرته الجسدية والذهنية على الإنجاز بسبب تعبه وإرهاقه بعد الدوام. أراد أن يضع قارورة ماء في الثلاجة لكنه أخذها معه ووضع مكانها كأسًا فارغًا.
كان اليوم طويلًا. قابل فيه العديد من أصدقائه بعد عطلة العيد أنساه أشعة الشمس (قدر اهتمامه بالطريقة التي سيعبر عن نفسه أمامهم.) فيهتم أحمد بصورته أمام الآخرين اتباعًا لرزانة أبيه وأناقته وحشمته أمام الجمهور صغيره وكبيره عمرًا وعددًا ومقامًا وقربًا.
تحدث مع هذا عن أستاذ مقرر علم الجريمة والعقاب، ومع ذاك عن عدم قدرته على النوم جيدًا بسبب حماسه لأن يجرب أن يدرس في المكتبة الجامعية. ولكن ما لا يقوله أحمد لأي أحد أنه يذهب هناك لا ليكون في محيطٍ هادئٍ (وحسب)، بل لكي يسترق النظرات بين الفينة والأخرى لخلود، زميلته في صف مدخل علم الاجتماع. كان يحبها جدًا رغم أنه يخشى أن يعرف أحدٌ عن حبه لها وربما يكلمها هو فيتمزق قلبه. لا تستحي خلود من التحدث مع الفتيان ولكن الجميع يعرف بأنهم سيبقون على بعد مسافةٍ منها رغمًا عنهم. يعرف الجميع أن خلود تُبقي كل الناس قريبين منها، ولكن ليس أقرب من ذلك.
كان سيذهب مشيًا لمحل الكتب ليشتري له كتاب المقرر، (ولا داعي لشراء بقية الكتب المتطلبة عليه لأن سيحصلها من صديقه المتخرج للتو)، ولكنه قرر أن يأخذ السيارة. شغل أحمد محرك السيارة وانتظر خارجها لعلها تبرد قليلًا بينما ينتظر. وفاجأه صديقه عبدالله عندما أوقف سيارته خلف سيارة أحمد بعد المظلة مباشرةً. تحدثا عن الفأر الذي وُجِدَ في الكافيتيريا والعامل الهندي النعسان الذي يطارده بفتور بمكنسة مكسورة، ولكن السيارة المسرعة وراءهما في المواقف قطعت حديثهما حين احتكت بزاوية سيارة عبدالله. حاول أن يخرج أحمد هاتفه النقال بسرعة ليلتقط صورةً لرقم السيارة دون جدوى: هربت السيارة وهرب العدل معها. تمتم عبدالله “دعه، فهناك ألف إنسان متجاوز غيره ولن يكون بوسعك إصلاحهم جميعًا.” لم يبد على وجهه أية علامة حنق، فهو يعلم أن سيارته لم تتضرر بشكلٍ ملحوظ ولذلك لم ينزل حتى، وتحت هذه الحرارة الجحيمية لا يرى من مطاردة المتعدي فائدة.
ذهب أحمد لمحل الكتب، وركن سيارته في براحة قريبة لأن كل مداخل المواقف مغلقة بسلاسل والمخروطات البرتقالية والبيضاء، ثم خرج مسرعًا إلى البوابة الرئيسية إلا أنها مغلقة فسأل الحارس إن كانت قد فتحت اليوم وقال أنه لا يدري فقد أتى هو للتو. فسأله إن كانت ستفتح غدًا، وأجاب مكررًا أنه لا يدري وبإمكان أحمد أن يأتي غدًا ليرى إن كانت ستفتح. فقال أحمد “وماذا عن كل الوقت الذي أضعته اليوم؟” فهز الحارس يده ولوى شفتيه.
رجع أحمد للسيارة قاطبًا حاجبيه وفتح مكيف السيارة على أقصى برودة وشدة وجلس دقيقة ثم حركها وأخذ يسرع ويتباطأ بين المطبات. عندما اقترب من البوابة الرئيسية للجامعة ووجد السيارات عندها متكدسةً عند المخرج بأقواس من السيارات التي تكاد أن تكون متصلةً ببعضها كقطعةٍ واحدة. وقف قليلًا، ثم قرر أن يأخذ المخرج الآخر ولكن هناك سياراتٍ وراءه تقترب وسيارته ليست كبيرةٍ ليتمكن من صعود الرصيف دون أن يخرب قاعدة السيارة. أخذ نفسًا وحبس الهواء في صدره.
شغل الراديو وهو يقلّب بين المحطات من دون أن يحرك سيارته ولو بمسافة شعرة. عندما أمعن النظر رأى بأن هناك سياراتٍ تريد الدخول للجامعة والسيارات في الأطراف التي تود الخروج أغلقت كل المداخل، والشارع في الخارج معطل بسبب هذه السيارات ومن الجهة الأخرى الشارع أصلًا مزدحم من دون كل هذا. فما الحل؟ ورأى أن هناك سيارات حركت من المواقف للتو وصعدت الرصيف وتخطت بقية السيارات لتنزل أمام قدرٍ لا بأس به من السيارات وأتاحت السيارات الأخرى لهم الطريق فنزلوا. وتكرر المشهد عدة مرات، فرأى بعض السيارات تتجاوز البقية من خلال صعود الرصيف، وبعض السيارات تدخل للطابور من الحارة المخالفة وبعض السيارات واقفة حتى بعد أن تحرك من أمامها فتتجاوز سياراتٍ أخرى.
وبقي الحال هكذا لربع ساعةٍ فسأل نفسه بصدق، لِمَ ينتظر كالأخرق في ظل كل هذه التجاوزات؟ لِمَ يتبع القانون إذا القانون لا يمشي إلا على من يفرضونه على أنفسهم؟ ما الذي يجعله محكورًا كالفأر بينما تتطفل السيارات الكبيرة على طيب الآخرين؟ وهو يدري أن الحل الأخلاقي القانوني الوحيد هو أن يبقى ببيته ولا يحضر محاضراته. أن يصبح أخلاقيًا ولا يتجاوزه أحد يعني بالضرورة أن يخسر دراسته وأن ثمة خسائر عظيمة وأنه لا يقوى بأن يعيش في الدرك الأسفل من المجتمع بسبب صورته عن عزة نفسه، وأنه لا يتحمل أن يرى من يتخطاه بكل برود وأن عشرات وعشرات من الضربات على البوق لن تشفي غليله وأنه سيغمر على المتعدي بوابلٍ صيبٍ من المسبات والشتائم واللعن والتحقير والتبليط والتسفيل من دون أن يتغير العالم من حوله قيد أنملة. يدري بأن العسر المروري هذا بوسعه أن يرجعه لكل مشاكل التاريخ، بل وربما للأحداث الاعتيادية التي لا يجرؤ أحدٌ أن يضعها ضمن هذه المنظومة الكونية التي خططت للتكتل عند محور الإزدحام هذا.
من على المطبة رأى أحمد في مرآته الجانبية أحدهم وهو يصعد الرصيف ببطء ثم يسرع اتجاه البوابة، فلف عجلة القيادة وسبقها فوق الرصيف والتصقت عجلة سيارته البعيدة بالرصيف ولكنه دفع السيارة وصعد وكادت أن ترتطم بسيارته السيارة الأخرى فنزلت تلك وأكمل بالمشي حتى رأى في الأفق تذبذب الأحمر والأزرق وحاول أن ينزل بكل تلقائيةٍ ولكن السيارة أسفله لم تسمح له فمشى قليلًا ثم أنزل أول عجلة بصدمةٍ ولصقت العجلة الأولى. حاول أن يضغط على البانزين ولكنها لا تحرك ساكنًا فحاول مرةً أخرى وثالثة وفي الرابعة أعطى كل ما عندها فنزلت واحتكت سيارته بمن أمامه وعندما مسك الفرامل نزلت السيارة ودفعت السيارة أمامه الأخرى. بهلعٍ ضغط على الفرامل بكل قوته ولكن السيارة ثابتة في مكانها، ورأى نفسه في المنظرة الأمامية وإذ به يلمح خلود من ورائه وهي تصرخ في حجرتها المغلقة. ملامحها الحلوة مكسوة بالحمرة والتقطيب والغضب. خرج سائق السيارة التي تلي من أمامه ورأى ما حدث بسيارته ثم اقترب في حين خرج الشاب من السيارة التي دخل بها. لعن نفسه والسيارة التي صعدت الرصيف قبله والبوابة والشارع والشرطة وحارس محل الكتب وتفاجأ حين سقطت عيناه على قارورة الماء التي نسيها في ماسكة الأكواب. هم بأن يشرب له جرعةٍ وينزل ولكنه تركها حين رأى صفيحة الفقاقيع أسفل سقف الغطاء.
Surra,
September, 2019.